حيدر حب الله
106
دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر
سلفاً بالاحتكام سلباً وإيجاباً لهذه اللغة وأهلها : أما الاحتكام الإيجابي الإثباتي ، فيعني أنّ ما يفهمه أهل اللغة من هذه الآية هو حجّة ومعتبر ، وطريقٌ ومعبرٌ لنا لفهم مراد المتكلّم . وأما الاحتكام السلبي الإبطالي ، فيعني أنّ ما يرفضه الفهم اللغوي العرفي ويراه غريباً عن النصّ ، فهو مرفوض ولا يشكّل دلالةً . لكن تبقى هناك مساحة وسطى ، وهي فهمٌ لا يرفضه أهل اللغة لكنه لا ينسبق إلى أذهانهم من سماع النص أو قراءته ، فهل هو معتبر أو لا ؟ لا شك أنه إذا لم يقم شاهد على إرادة المتكلم لهذا المعنى فلا قيمة لهذا الافتراض ، لكن لو قام الشاهد على ذلك فما هو الموقف ؟ لو قمنا بمقاربة بين آيتين مثلًا لنأخذ منهما معنى ، فهذه المقاربة قد تكون على وفق طرائق أهل العرف واللغة في الفهم ، لكنهم لم يلتفتوا إليها ؛ لعدم انتباهم لعنصر المقاربة نفسه ، فهنا هل نأخذ بمثل هذا الفهم أو لا ؟ الجواب هو بالإيجاب ، فليست العبرة بما فهم العرب والصحابة عصر النص من القرآن بوصفه الحدّ الأعلى للفهم ، فلا يصحّ التوصّل لفهم جديد ؛ لأنه سوف يكون فهماً لم يعرفه العرب ولا أهل اللغة ، بل العبرة بنظام الفهم اللغوي عند أهل اللغة ، لا بواقع الفهم اللغوي الذي حصلوا عليه من خلال سماع الآيات الكريمة . فقد تحصل للإنسان فهومٌ من الكلام جديدة عندما يعيد سماعه ، وهذا ليس بخروج عن قواعد الفهم العرفي لأهل اللغة ، بل هو تطبيق مجدّد لها ؛ لأنّ طبقات النص ودلالاته الالتزامية والتضمّنية لا تظهر دفعةً واحدة ، ولا سيما عندما يراد الحصول على معلومات جديدة من خلال عناصر المقارنة والمقاربة والضمّ والجمع